الشغف| هل انعدام الشغف مشكلة حقيقية؟

انعدام الشغف.. كلمة أصبحت تجري على الألسنة وتتردد في النفس. وتبدو وكأنها السبب البديهي لأي مشكلة في حياة الواحد منا! فهل للشغف كل هذه الأهمية المحورية في تيسير حياتنا؟ هذا هو السؤال الذي يجيب عنه المقال.

أولًا: نحو فهم سوي للحياة بعيدًا عن الشغف

نحن هنا لنعمل

الإنسان خُلق لغاية ومعنى كما جاء في الآية الكريمة: {أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦}. وأول ما خُلق من أجله عبادة الله وتعمير الأرض وزرع الخير من الأعمال والأقوال ليحصد ذلك يوم حسابه في الآخرة.

فالحياة بالنسبة له دار عمل. والأمر ليس مجرد مهمة يفعلها أو لا يفعلها بل فرض وواجب سيحاسب عليه وسيجد ما عمل حاضرًا لا يغيب عنه مثقال ذرة.

وعندما يتعلق الأمر بالواجبات، تقل صالحية الشغف.

وذلك لعدة أسباب، أهمها:

▪️أن الشغف هو فعل ما تحب وما يتوافق مع ميولك وهواياتك. والواجبات ليس بالضرورة أن تكون من محبوباتك. فهل غياب الشغف بها مبرر لتركها؟

▪️أن الشغف أمر متغير وكثير التقلب بين الزيادة والنقصان. والواجبات أمر دائم ثابت تقوم عليه الحياة. فهل من المنطقي أن ترتبط بشيء متغير كالشغف؟

ومن هنا نريد أن نؤسس فهمًا سويًا للحياة. يقوم على تكليف الإنسان فيها بعبادة الله، وتعمير الكون، وحفظ حياته بتوفير احتياجاته المادية والنفسية. وهذا ما لا ينبغي أن يكون تابعًا لما يسمى بالشغف.

ثانيًا: علامَ تقوم الحياة في ظل انعدام الشغف؟

كن مسئولًا عن واجبات حياتك

ذكرنا أن تكليف الإنسان لا يجب أن يقوم على الشغف. إذًا ما بديله؟

إنها المسئولية والإلتزام الذي يدرك به الإنسان أن هناك فروض وواجبات عليه أن يقوم بها مهما كانت حالته النفسية/ الصحية/ المادية/ الاجتماعية. مادامت لا تفقده عقله ولا تنزع عنه تكليفه ولا تمثل له إعاقة حقيقية. وجدير بالذكر أن هناك رخصًا للمريض والذي على سفر مثلًا في ديننا ويحب الله أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.

لكن أن تستيقظ صباحًا فتجد مزاجك غير رائق لسبب أو آخر. فتقرر أنك لن تذهب للعمل.

أو يتراكم عليك جزء من مذاكرتك -كبيرًا كان أم صغيرًا- لظرف ما. فتقول أنك فقدت الشغف وليس لديك طاقة لإنجاز ذلك فتتهرب منه وتظل تؤجله لأجل غير مسمى.

أو تأتي أمٌ ذات مرة وتقرر أن تتوقف عن رعاية بيتها وأولادها لأنها لا تستمع بذلك وتجده رويتنيًا ومملًا.

أو يأتي الأب ويقرر أن يعزف عن نفقة أبنائه لأن ذلك مرهقًا بالنسبة له. وهو يريد الراحة.

فذلك عبث وفساد محقق للحياة وتهدم لبنائها وتوقف لمساراتها.

فاعرف مسئولياتك وتحملها، واعرف مهمامك والتزم بها. ولا تنتظر أن يحركك الشغف. فكفى بالمسؤولية محركًا ودافعًا. فكونك مسئولًا يعني أنك محاسبًا على الأقل أمام نفسك.

ثالثًا: هل الشغف سيء في ذاته؟

هل معنى أن الحياة لا تقوم على الشغف، وأنه ليس محركًا لها. أنه سيء في ذاته ومرفوض كله؟

الإجابة: لا، بالطبع.

الشغف ليس سيئًا، اعتمادنا عليه وإصرارنا أن يكون في كل جوانب الحياة هو السوء بعينه!

وإذا صادف واجتمع شغفك مع أحد مسئولياتك كالعمل فيما تحب أو دراسة تخصص يوافق ميولك. فهذه نعمة تستحق شكرًا صادقًا.

وإن لم يكن فلا مشكلة ولا ضرر! احرص على أداء مسئولياتك أولًا وبعدها مارس هواية شغوف بها أو عمل تجد فيه اندماجك وسعادتك.

ونشير هنا أن الإلتزام والمسئولية لا يعنيان بؤس الحياة وتحولها إلى دوامة من العمل بلا روح ولا حب ولا قبول.

وإن وجدت ذلك فهو من نفسك ومن الطريقة التي تنظر بها للأشياء.

فإذا كان عملك الحالي هو الفرصة الوحيدة المتاحة أمامك وهو خارج حدود شغفك، فما فائدة أن تظل شاكيًا باكيًا ليل نهار! أليس من الأفضل أن تتقبل وترضى وتنظر للجانب الإيجابي وهو أنك تعمل وتتكسب في وقت يعاني فيه الكثيرون من البطالة والفقر.

وقس على ذلك التأفف من المذاكرة وضغط الدراسة رغم أنك كمتعلم حلم لكثير من الأطفال المشردين في أرجاء العالم.

رابعًا: إرشادات تطبيقية في ظل الحديث عن انعدام الشغف

▪️احضر ورقة وقلمًا، وفي جلسة رائقة: حدد المسئوليات الأساسية لك في الحياة. مثل،

أنا عبد لله..فمسئول عن إقامة الفرائض والاستجابة للأوامر والنواهي.

أنا طالب.. فمسئول عن المذاكرة والاجتهاد.

أنا ابن.. فمسئول عن بر والديّ ومساعدتهم ومؤانستهم بقضاء وقت لطيف معهم والتودد إليهم في الحديث.

وهكذا، أي مهمة تضعها في يومك تتعلق بهذه الجوانب لا تربطها بالشغف والحالة المزاجية بل بالمسئولية والإلتزام والجدية.

▪️انظر لواجباتك على أنها فرص وليست أحمال وأعباء.

▪️إن لم تكن تفعل ما تحب، فافعله بالطريقة التي تحب. واستمتع برحلتك مهما كانت.

▪️حافظ في خلال يومك على وقت تمارس فيه هواياتك وتتبع فيه شغفك. فيكون وسيلة تجدد بها طاقتك وتسعد نفسك.

وأخيرًا، الأيام لن تنتظر أن يحيى شغفك بعد انعدامه، بل ستظل في مضيها وعندما ستُسأل عنها وعما فعلت بها. لن يقبل منك أن تقول “كان عندي انعدام شغف”!

كتبته/ فاطمة زكي

اقرأ أيضًا:

التخلص من التوتر | وسيلتك لعيش حياة أكثر سعادة

العادات الإيجابية| ٥ عادات ستغير حياتك للأفضل

استراتيجية تحقيق الأهداف| كيف تودع الفشل وتحقق أحلامك

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه